السبت، 8 سبتمبر 2018

العين و الحسد في الإسلام


 مدونة بوزقزة قدارة  
 ..................
 ..................             
         يوم السبت 08 سبتمبر 2018 م







لا إله إلا الله محمد رسول الله                                          سبحان الله  و الحمد لله  و لا حول و لا قوة إلا بالله  العلي العظيم




الإعجاز العلمي في الحسد والعين
المقدمة:
جاءنا الإسلام، ومعه المنهج الرباني، فأقر أموراً كانت قائمة في الجاهلية وأبطل أخرى، فأبقى على معتقدات لا تخالف الشريعة ونسخ غيرها وأبطل أخرى، فقد كان الناس يعتقدون بالحسد والعين والطيرة والهامة؛ فأقر الشارع الحنيف وجود بعضها كالحسد والعين، وذكر أسبابها وعلاجها، وأبطل الطيرة والهامة ولعن فاعلها، وأحبط الشرك وأنكره وخلّد من أصر عليه في النار.
إن الوحي جاء بما لا يقبل الشك أو التأويل بأن هناك حسد وعين، وأنهما حق واقع لا يسبقهما شيء سوى القدر، ولا يردهما إلا الدعاء، وهي نصوص صحيحة صريحة من الكتاب والسنة، أكدتها المشاهدة وتقريرات النبوة، ولذلك فإن كثيراً ما يطرق أسماعنا موضوع الحسد أو العين، أو أن فلان إنسان حسود أو عائن، أو أصابتني عين حاسد أو عائن، ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا الموضوع يكاد يكون من الأمور التي لا تخفى على أحد؛ مع تفاوت في تقبله والأخذ بأسبابه بين الناس، فمن منكر له ومن غال فيه، فالناس بين إفراط وتفريط، فإنا نجد من يصدق بالخرافات ويأخذ بالغث والسمين، ومنهم من لا يصدق إلا بعد جهد جهيد، وكل ذلك راجع إلى نوع الثقافة التي تلقاها والبيئة التي أحاطت به.
"والحسد مرض من أمراض النفوس وهو مرض غالبٌ فلا يخلص منه إلا القليل من الناس؛ ولهذا قيل: ما خلا جسد من حسد، لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه، وقال بعض السلف: الحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء -يعني حسد إبليس لآدم عليه السلام- وأول ذنب عُصي الله به في الأرض -يعني حسد أبن آدم لأخيه حتى قتله"(1).
نتيجة بحث الصور عن العين و الحسد في الاسلام
وفي هذا البحث سأتناول الحسد والعين من جانبي الوحي والعلم المعاصر وما وصل إليه في هذا المجال، ومن ثم يمكننا حينها من الاستنتاج بأن الحق ابتلى الخلق بالحسد والعين (تماماً كما خلق السحر والشياطين والملائكة وهي بعمومها غيبيات تدل آثارها عليها، فكذلك خلق الحسد والعين فدلت آثارها عليها وجعلها آية على قدرته وسخر من يؤكد وجودها من العلماء والباحثين.
الآيات التي ورد فيها لفظ الحسد والعين:
ورد لفظ الحسد في القرآن في عدة مواطن منها:
1- ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[البقرة: 109].
2- ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء: 54].
3- ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الفتح: 15].
4- ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾[القلم: 51].
5- ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5].
يتضح من معاني تلك الآيات أن الحسد الوارد فيها يقصد به ذلك الخُلق السيئ بتمني زوال النعمة من المحسود دون القدرة على أن يكون للحسد قوة في ذاته تؤثر على المحسود وتصيبه بالضرر، إلا أن آية سورة الفلق ربما أوحت في ظاهرها أن الحسد شر يستعاذ بالله منه كما يستعاذ بالغاسق إذا وقب وبالنفاثات في العقد؛ إلا أن المدقق في الألفاظ يجد أن المستعاذ منه في الآية إنما هو الحاسد وليس الحسد، لأن الحاسد إذا حسد وامتلأ قلبه بالحقد وتمنى زوال النعمة من المحسود قد يسعى في أذيته بنفسه فيضربه أو يحرق ماله أو يسرقه أو يقتله، فيكون هنا الحسد سبباً في ضرر غير مباشر يصدر عن الحاسد بشخصه وأفعاله المادية لا مجرد أمنيته زوال النعمة(2).
بعض الأحاديث التي ورد فيها لفظ الحسد أو العين:
أما في السنة النبوية الشريفة فقد جرى تناولهما في أحاديث كثيرة، وفي سياق الحديث عن أمور متنوعة، جاء كل من الحسد والعين واضحين، وأطلق على كل منهما في لفظ مستقل أذكر منها:
1- عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا»(3).
2- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث أيام»(4).
3- وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا»(5).
4- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار يقول لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل ورجل آتاه الله مالا ينفقه في حقه فيقول لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل»(6).
5- وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لينزلن ابن مريم حكماً عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير ولضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد»(7).
6- وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين»(8).
7- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يؤمر العائن (الذي أصاب غيره بالعين) فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين (المصاب بعين غيره)(9).
8- وعن عبيد بن رفاعة الزرقي أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله إن ولد جعفر تسرع إليهم العين أفأسترقي لهم؟ فقال: «نعم فإن لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين»(10).
9- وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه قال: رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة فلبط سهل فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: يا رسول الله هل لك في سهل بن حنيف والله ما يرفع رأسه، فقال: هل تتهمون له أحداً قالوا نتهم عامر بن ربيعة، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامراً فتغيظ عليه، وقال: «علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت اغتسل له» فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم صب عليه فراح سهل مع الناس ليس به بأس(11).
نوجز مما تقدم أن النصوص النبوية الشريفة أشارت إلى الحسد والعين وبينت بأنهما حقيقة لا خيال، وأن العين حق؛ أي أن لها تأثيراً ملحوظاً، وأن الأذى الذي يصيب الشخص المضرور يتم بالمعاينة، وأنه لكي نخفف من أثرها بعد حدوثها فليغتسل العائن أو يتوضأ بالماء ثم يغتسل المعين بذلك الماء.
تعريف الحسد والعين والغبطة والمنافسة:
التعريف لغة:
1- الحسد مِنْ حَسَدَه يَحْسِدُه ويَحْسُدُه حَسَداً، وحَسَّدَه إِذا تمنى أَن تتحول إِليه نعمته، وزاد ابن الأَعرابي الحَسْدَلُ القُراد، ومنه أُخذ الحسد يقشر القلب كما تقشر القراد الجلد فتمتص دمه(12).
2- العين والنفس سواء يقال: أصابت فلاناً نفس أي: عين والنافس: العائن(13).
3- الغِبْطةُ: المَسَرَّةُ وقد أَغْبَطَ وغَبَطَ الرجلَ يَغْبِطُه غَبْطاً وغِبْطةً حسَدَه(14).
4- المُنَافَسَةُ والتَّنَافُسُ: الرَّغْبَةُ في الشَّيْءِ الإِنْفرَادُ به، وهو منَ الشَّيْءِ النَّفِيس الجَيِّدِ في نَوعه، وقولُه عَزّ وجلّ: ﴿وَفي ذلكَ فَلْيَتَنَافَس المُتَنَافُسُونَ﴾ أَي فلْيَتَراغَب المُتَرَاغبُونَ(15).
التعريف اصطلاحاً:
1- الحسد: هو بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها (16).
وقيل: الحسد تمني زوال النعمة عن صاحبها سواء كانت نعمة دين أو دنيا، كما قيل: الحسد: إحساس نفساني مركب من استحسان نعمة في الغير بتلك الحالة أو على مشاركته الحاسد فيها، وقد يطلق اسم الحسد على الغبطة مجازا(17).
وقيل أيضاً هو: المنافسة في طلب الكمال والأنفة أن يتقدم عليه نظيره، فمتى تعدى صار بغياً وظلماً يتمنى معه زوال النعمة عن المحسود ويحرص على إيذائه، ومن نقص عن ذلك كان دناءة وضعف همة وصغر نفس(18)، فحد الحسد إذن: كراهة النعمة وحب وإرادة زوالها عن المنعم عليه(19).
2- العين: هي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطيه تارة(20).
أو هي إصابة الأشياء وخاصة جسد الإنسان بعين الحاسد أو نظره وهذا المفهوم شاع بين الناس باسم الحسد أيضاً إذ يغلب على صاحب القدرة على الإصابة بالعين أن يكون حاسداً(21).
3- الغبطة: تمني المرء أن يكون له من الخير مثل ما لمن يروق حاله في نظره(22).
فالغبطة: ألاّ تحب زوال النعمة على المنعم عليه، ولا تكره وجودها ودوامها، ولكن تشتهي لنفسك مثلها(23).
4- المنافسة: هو أن يرى بغيره نعمة في دين أو دنيا، فيغتم ألا يكون أنعم الله عليه بمثل تلك النعمة، فيحب أن يلحق به ويكون مثله، لا يغتم من أجل المنعم عليه نفاسة منه عليه، ولكن غمّاً ألا يكون مثله(24).
قال العلماء: التنافس إلى الشيء المسابقة إليه وكراهة أخذ غيرك إياه وهو أول درجات الحسد(25).
بيان معنى الحسد والعين عند علماء الإسلام:
الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله، فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله ويحب زوالها والله يكره ذلك فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته ولذلك كان إبليس عدوه حقيقة لأن ذنبه كان عن كبر وحسد(26).
فالحاسد المبغض للنعمة على من أنعم الله عليه بها ظالم معتد والكاره لتفضيله المحب لمماثلته منهي عن ذلك؛ إلا فيما يقربه إلى الله فإذا أحب أن يعطى مثل ما أعطي مما يقربه إلى الله فهذا لا بأس به وإعراض قلبه عن هذا بحيث لا ينظر إلى حال الغير أفضل، ثم هذا الحسد إن عمل بموجبه صاحبه كان ظالماً معتدياً مستحقاً للعقوبة إلا أن يتوب وكان المحسود مظلوماً مأموراً بالصبر والتقوى فيصبر على أذى الحاسد ويعفو ويصفح عنه كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109](27).
كما دل القرآن والسنة على أن نفس حسد الحاسد يؤذي المحسود فنفس حسده شر يتصل بالمحسود من نفسه وعينه وإن لم يؤذه بيده ولا لسانه فإن الله تعالى قال: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5] فحقق الشر منه عند صدور الحسد، والقرآن ليس فيه لفظة مهملة، والحاسد لا يسمى حاسداً إلا إذا قام به الحسد؛ أي حصل منه، كالضارب والشاتم والقاتل، ولكن قد يكون الرجل في طبعه الحسد وهو غافل عن المحسود لاه عنه فإن خطر على ذكره وقلبه انبعثت نار الحسد من قلبه إليه ووجهت إليه سهام الحسد من قبله فيتأذى المحسود بمجرد ذلك، فقوله تعالى:﴿إِذَا حَسَدَ﴾ بيان بأن شره إنما يتحقق إذا حصل منه الحسد بفعل تأثير العين.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد! اشتكيت؟ قال: نعم، قال: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس وعين حاسد بسم الله أرقيك والله يشفيك»(28).
يفهم منه أن عينه لا تؤثر بمجردها إذ لو نظر إليه نظر لاه ساه عنه كما ينظر إلى الأرض والجبل وغيره لم يؤثر فيه شيئاً، وإنما إذا نظر إليه نظر من قد تكيفت نفسه الخبيثة واتسمت واحتدت فصارت نفساً غضبية خبيثة حاسدة أثرت بها تلك النظرة فأثرت في المحسود تأثيراً بحسب صفة ضعفه وقوة نفس الحاسد فربما أعطيه وأهلكه بمنزلة من وجه سهماً نحو رجل عريان فأصاب منه مقتلاً، وربما صرعه وأمرضه والتجارب عند الخاصة والعامة بهذا أكثر من أن تذكر(29).
وأعراض الحسد تظهر على المال والبدن والعيال بحسب مكوناتها، فإذا وقع الحسد على النفس يصاب صاحبها بشيء من أمراض النفس، كأن يصاب بالصدود عن الذهاب إلى عمله أو مصدر رزقه، أو يصد عن تلقى العلم ومدارسته واستذكاره وتحصيله واستيعابه وتقل درجة ذكائه وحفظه، وقد يصاب بميل للانطواء والانعزال والابتعاد عن مشاركة الأهل في المعيشة، بل قد يشعر بعدم حب ووفاء وإخلاص أقرب وأحب الناس له، وقد يجد في نفسه ميلاً للاعتداء على الآخرين، وقد يصير من طبعه العناد، ويميل إلى عدم الاهتمام بمظهره وملبسه، ولا يألفه أهله وأحبابه وأصحابه ويسيطر عليه الإحساس بالضيق، ويشعر بالاختناق ولا يستقر له حال.
وأما العين فإن كثيراً من الناس يصابون بها وهم لا يعلمون، لأنهم يجهلون أو ينكرون تأثير العين عليهم، فان أعراض العين في الغالب تكون كمرض من الأمراض العضوية إلا أنها لا تستجيب إلى علاج الأطباء(30).
أنواع الحسد وكذلك العين:
قد يشكل هنا تسمية الغبطة حسداً ما دام همه أن ينعم الله عليه بمثل ما أنعم على صاحبه؟ فيقال: مبدأ هذا الحب هو نظره إلى إنعامه على الغير وكراهيته أن يفضل عليه، ولولا وجود ذلك الغير لم يحب ذلك، فذلك كان حسداً لأنه كراهة تتبعها محبة، وأما من أحب أن ينعم الله عليه مع عدم التفاته إلى أحوال الناس فهذا ليس عنده من الحسد شيء، ولهذا يبتلى غالب الناس بهذا القسم الثاني(31).
أما أنواع الحسد، فمن استقراء النصوص المتقدمة، ولاسيما الأحاديث الشريفة نجد أن الحسد نوعان: مذموم ومحمود.
فالمذموم: أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا، وهذا النوع الذي ذمه الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء: 54] وإنما كان مذموماً؛ لأن فيه تسفيه الحق سبحانه وأنه أنعم على من لا يستحق.
وأما المحمود: فهو ما جاء في صحيح الحديث، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار يقول لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل ورجل آتاه الله مالا ينفقه في حقه فيقول لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل»(32).
فهذا الحسد معناه الغبطة وكذلك ترجم عليه البخاري باب الاغتباط في العلم والحكمة، وحقيقتها: أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره وقد يجوز أن يسمى هذا منافسة ومنه قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26]،(33)، وبعبارة أخرى الحسد من ما هو حقيقي ومنه ما هو مجازي؛ فالحقيقي: تمني زوال النعمة عن صاحبها، وهذا حرام بإجماع الأمة مع النصوص الصريحة، ومجازي: هو الغبطة وهو أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره من غير زوالها عن صاحبها فإذا كانت من أمور الدنيا كانت مباحة وإذا كانت طاعة فهي مستحبة(34).
ويذكر العلماء أن مراتب الحسد أربعة وهي:
الأولى: تمني زوال النعمة عن المنعم عليه ولو لم تنتقل للحاسد.
الثانية: تمني زوال النعمة عن المنعم عليه وحصوله عليها.
الثالثة: تمني حصوله على مثل النعمة التي عند المنعم عليه حتى لا يحصل التفاوت بينهما، فإذا لم يستطع حصوله عليها تمنى زوالها عن المنعم عليه.
الرابعة: حسد الغبطة ويسمى حسداً مجازاً وهو تمني حصوله على مثل النعمة التي عند المنعم عليه من غير أن تزول عنه(35).
أما العين فالكلام فيها وفي أنواعها يطول ويتشعب إلا أنه لا بد من البيان ولو بشيء من الاختصار حيث أبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين وقالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل ومن أغلظهم حجاباً وأكثفهم طباعاً وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره وإن اختلفوا في سببه وجهة تأثير العين، فقالت طائفة: إن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة انبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيتضرر.
وقالت فرقة أخرى: لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه فيحصل له الضرر.
وقالت فرقة أخرى: قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة عين العائن لمن يعينه من غير أن يكون منه قوة ولا سبب ولا تأثير أصلاً، وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتأثيرات في العالم وهؤلاء قد سدوا على أنفسهم باب العلل والتأثيرات والأسباب وخالفوا العقلاء أجمعين.
وتنقسم العين إلى عينين: عين إنسية وعين جنية فقد صح عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: «استرقوا لها فإن بها النظرة»(36)، قال الحسين بن مسعود الفراء: وقوله: سفعة أي نظرة يعني: من الجن يقول: بها عين أصابتها من نظر الجن أنفذ من أسنة الرماح، ويذكر عن جابر يرفعه: «إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر»(37).
وعن أبي سعيد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الجان ومن عين الإنسان»(38).
ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة وجعل في كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام فإنه أمر مشاهد محسوس، وقد شاهد الناس من يسقم من النظر وتضعف قواه وهذا كله بواسطة تأثير الأرواح ولشدة ارتباطها بالعين ينسب الفعل إليها وليست هي الفاعلة وإنما التأثير للروح والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها فروح الحاسد مؤذية للمحسود(39).
حكم الحسد:
الحسد كما ذكرنا في تعريفه أنه عمل قلبي قد يتعداه إلى فعل، وقد أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من الحاسد؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5] وفي هذه الآية يقول أهل التفسير: أي إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر ومبادىء الإضرار بالمحسود قولاً أو فعلاً (40).
من بغي الغوائل للمحسود لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور غيره، وعن عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالماً أشبه بالمظلوم من حاسد(41).
فإن قوي الحسد حتى بعث على إظهاره بقول أو فعل فهو معصية، أما الفعل فهو غيبة وكذب، وهو عمل صادر عن الحسد وليس هو عين الحسد، ويجب الاستحلال من الأسباب الظاهرة على الجوارح، وأما إذا كف ظاهره إلا أنه يحب زوال النعمة عن غيره؛ فهذا هو الحسد المذموم؛ لأن الحسد صفة القلب لا صفة الفعل قال الله تعالى: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾[الحشر: 9] وقال عز وجلّ: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ [النساء: 89] وقال تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران: 120].
والحسد الذي محله القلب دون الجوارح ليس بمظلمة يجب الاستحلال منها بل هو معصية بينك وبين الله تعالى، وقيل: إنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه، ولما روي عن الحسن أنه سئل عن الحسد فقال: غمه فإنه لا يضرك ما لم تبده، والأولى أن يُكْرَه الحسد عقلاً فضلاً عن ورود النص، وتلك الكراهة تمنعه من البغي والإيذاء، فإن جميع ما ورد من الأخبار في ذم الحسد يدل ظاهره على أن كل حاسد آثم.
وفي الحسد إضرار بالبدن وإفساد للدين، وفيه تعدي وأذى على المسلم نهى الله ورسوله عنه، والحسد حرام بكل حال إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر وهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وإيذاء الخلق فلا يضرك كراهتك لها ومحبتك لزوالها فإنك لا تحب زوالها من حيث هي نعمة بل من حيث هي آلة الفساد ولو أمنت فساده لم يغمك بنعمته، ولا عذر في الحسد ولا رخصة، وأي معصية تزيد كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك منه مضرة؟(42).
أسباب الحسد والعين:
الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان لأن الحاسد شبيه بإبليس وهو في الحقيقة من أتباعه لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس وزوال نعم الله عنهم كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله وأبى أن يسجد له حسداً فالحاسد من جند إبليس(43).
والحسد خلق نفس ذميمة وضيعه ساقطة ليس فيها حرص على الخير فلعجزها ومهانتها تحسد من يكسب الخير والمحامد ويفوز بها دونها وتتمنى أن لو فاته كسبها حتى يساويها في العدم كما قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ [النساء: 89](44).
فإن الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض؛ ولهذا كان المبتدئ بالخير والشر له مثل من تبعه من الأجر والوزر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص»(45)، وذلك لاشتراكهم في الحقيقة، وأن حكم الشيء حكم نظيره وشبه الشيء منجذب إليه، فإذا كان هذان داعيين قويين فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران؛ وذلك أن كثيراً من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه ويبغضون من لا يوافقهم وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم ومعاداتهم لمخالفيهم.
وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيراً ما يختارون ويؤثرون من يشاركهم إما للمعاونة على ذلك كما في المتغلبين من أهل الرياسات وقطاع الطريق ونحوهم؛ وإما بالموافقة كما في المجتمعين على شرب الخمر؛ فإنهم يختارون أن يشرب كل من حضر عندهم، وإما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير؛ إما حسداً له على ذلك لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم، وإما لئلا يكون له عليهم حجة، وإما لخوفهم من معاقبته لهم بنفسه أو بمن يرفع ذلك إليهم، ونحو ذلك من الأسباب، قال الله تعالى:﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]، وقال تعالى في المنافقين: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ [النساء: 89]، وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه ودَّت الزانية لو زنى النساء كلهن(46).
وقد تجتمع بعض أسباب الحسد أو أكثرها وربما كلها في شخص واحد، ومنها:
1- العدواة والبغضاء والحقد: وهذا من أشد أسباب الحسد وأصل المحاسدات العدواة وأصل العدواة التزاحم على غرض والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل متناسبين فلذلك يكثر الحسد بينهما، والحسد نتيجة من نتائج الحقد وثمرة من ثمراته المترتبة عليه فإن من يحقد على إنسان يتمنى زوال نعمته ويغتابه وينمّ عليه ويعتدي على عرضه ويشمت به لما يصيبه من البلاء ويغتّم بنعمة إن أصابها ويسر بمعصية إن نزلت به وهذا من فعل المنافقين والعياذ بالله.
2- التعزز والترفع: فإذا أصاب أحد زملائه ولاية أو مالاً خاف أن يتكبر عليه وهو لا يطيق تكبره وافتخاره عليه، ومن التكبر والتعزز كان حسد أكثر الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قالوا: كيف يتقدم علينا غلام يتيم فنطأطئ رؤوسنا له فقالوا﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]
3- الكبر: وهو أن يكون في طبعه أن يتكبر عل المحسود ويستحقره ويستصغره ويستخدمه فإذا نال ولايةً خاف ألاّ يحتمل تكبره.
4- التعجب: كما أخبر الله عن الأمم الماضية إذ ﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [يس: 15]فتعجبوا أن يفوز برتبة الرسول والوحي والقرب من الله بشر مثلهم فحسدوهم وأحبوا زوال النعمة عنهم.
5- الخوف من المزاحمة وفوات مقصد من المقاصد بين النظراء في المناصب والأموال، وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد مثل الضرات عند زوجهن، والتلاميذ عند الأستاذ، والإخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلوب الأبوين ليتوصل بها إلى مقاصد الكرامة والمال، وخدّام الملك في نيل المنزلة من قلبه، والتاجر يحسد التاجر، والصانع يحسد الصانع، والنجار يحسد النجار، والفلاح يحسد الفلاح، وأرباب الجاه يحسدون أرباب الجاه، والمناصب الحكومية يحسد بعضهم بعضاً. ومن الأمثال المتدوالة قولهم: عدو المرء من يعمل عمله. والحسد يقع كثيراً بين المتشاركين في رئاسة أو مال إذا أخذ بعضهم قسطاً من ذلك وفات الآخر، ويكون بين النظراء لكراهة أحدهم أن يفضل عليه الآخر، كحسد إخوة يوسف وكحسد ابني آدم أحدهما لأخيه فإنه حسده لكون الله تقبل من قربانه ولم يتقبل قربان هذا، فحسده على ما فضله الله من الإيمان والتقوى، وقتله على ذلك.
6- حب الرياسة وطلب الجاه لنفسه من غير توصل به إلى مقصود، ومن غير قصد شرعي صحيح، وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون إذا غلب عليه حب الثناء والمدح واستفزه الفرح بما يمدح به، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى أقطار الأرض لساءه ذلك وأحب موته أو زوال تلك النعمة التي عند الذي يشاركه بها في المنزلة من شجاعة أو علم أو صناعة أو جمال أو ثروة أو نحو ذلك.
7- خبث النفس وحبها للشر وشحها بالخير لعباد الله: فتجد المتصف بذلك شحيحاً بالفضائل بخيلاً بالنعم وليست إليه فيمنع منها ولا بيده فيدفع عنها؛ لأنها مواهب قد منحها الله من شاء فيسخطه على الله عز وجلّ في قضائه ويحسد على ما منح من عطائه وإن كانت نعم الله عز وجلّ عنده أكثر ومنحه عليه أظهر، وإذا ذكر له اضطراب ونكبات تصيب الناس، وكذلك إدبارهم وفوت مقاصدهم وتنغيص عيشهم استنار وجهه وفرح به وصار يبثّه، وربما أتى بإشاعة في صورة الترحم والتوجع، فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأن ما أعطاهم الله يؤخذ من ماله وخزانته على أنه ليس بينه وبينهم عدواة، وهذا ليس له سبب إلا التعمق في الخبث والرذالة والنذالة والخساسة في الطبع اللئيم ولذلك يعسر معالجة هذا السبب لأنه ظلوم جهول وليس يشفي صدره ويزيل حزازة الحسد الكامن في قلبه إلا زوال النعمة فحينئذ يتعذر الدواء أو يعزّ ومن هذا قول بعضهم:
وكلٌ أداويه على قدر دائه *** سوى حاسدي فهي التي لا أنالها
وكيف يداوي المرء حاسد نعمة *** إذا كان لا يرضيه إلا زوالها
وهذا النوع من الحسد أعمّها وأخبثها إذ ليس لصاحبه راحة ولا لرضاه غاية، فإن اقترن بشر وقدرة كان بوراً وانتقاماً وإن صادف عجزاً ومهانة كان جهداً وسقاماً، ولذلك قيل الحسود من الهمّ كساقي السم فإن سرى سمه زال عنه همّه، أما الأسباب الأخرى فيتصور إزالتها في المعالجة.
ظهور الفضل والنعمة على المحسود: بحيث يعجز عنه الحاسد فيكره تقدمه فيه واختصاصه به فيثير ذلك حسداً لولاه لكفّ عنه، وهذا أوسطها؛ لأنه لا يحسد إلا كفاء من دنا، وإنما يختص بحسد من غلا، وقد يمتزج بهذا النوع ضرب من المنافسة ولكنها مع عجز فصارت حسداً.وأعلم أنه بحسب فضل الإنسان وظهور النعمة عليه يكون حسد الناس له فإن كثر فضله كثر حسّاده وإن قلّ قلّوا؛ لأن ظهور الفضل يثير الحسد وحدوث النعمة يضاعف الكمد ولذلك قال رسول صلى الله عليه وسلم: «استعينوا على قضاء الحوائج بسترها فإن كل ذي نعمة محسود»(47).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ما كانت نعمة الله على أحد إلا وجّه الله لها حاسداً فلو كان الرجل أقوم من القدح لما عدم غامزاً".
8- حب الدنيا: فمنشأ التزاحم حب الدنيا فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين أما الآخرة فلا ضيق فيها(48).
أسباب داعي المنافسة في الخير (خلاف الحسد):
وما ذكرناه من أسباب الحسد خلق الله خلافه من أسباب حب الخير فقد حبب الله تعالى الإيمان وزينه، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ﴾ [الحجرات: 7] فلا يعدم الخير ولا أهله بل الأصل الخير والشر عارض للابتلاء ليس إلا، وما من نفس إلا والخير أصلها والعدل مطمحها، فأما الشر وأعوانه من شياطين الإنس والجن فهم عارض يزول، وغشاوة يؤول أمرها للذبول، والله مولى المؤمنين ولا مولى لهم، يقول ابن تيمية رحمه الله: "وهذا الموجود في المنكر نظيره في المعروف وأبلغ منه كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ﴾ [البقرة: 165].
فإن داعي الخير أقوى لأن الإنسان فيه داع يدعوه إلى الإيمان والعلم والصدق والعدل وأداء الأمانة، فإذا وجد من يعمل مثل ذلك صار له داع آخر لاسيما إذا كان نظيره وأيضا مع المنافسة، وهذا محمود حسن فإن وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من المؤمنين والصالحين ويبغضه إذا لم يفعل صار له داع ثالث فإذا أمروه بذلك ووالوه على ذلك وعادوه وعاقبوه على تركه صار له داع رابع.
ولهذا يؤمر المؤمنون أن يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات كما يقابل الطبيب المرض بضده فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفسه وذلك بشيئين بفعل الحسنات وترك السيئات مع وجود ما ينفى الحسنات ويقتضى السيئات، ويؤمر أيضاً بإصلاح غيره بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وإمكانه قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3](49).
علاقة الحسد بالعين:
هنا يجدر بنا أن نعلم هل أن الحسد غير العين؟ أم هما اسمان لمسمى واحد؟ أم يلتقيان في شيء ويفترقان في شيء؟ حيث كان ذكر الحسد في القرآن، والعين في السنة النبوية المطهرة، لذلك كان البيان مهماً.
فالعاين والحاسد يشتركان في شيء ويفترقان في شيء فيشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من يريد أذاه، فالعائن تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته والحاسد يحصل له ذلك عند غيب المحسود وحضوره أيضاً، ويفترقان في أن العائن قد يصيب من لا يحسده من جماد أو حيوان أو زرع أو مال وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه، وربما أصابت عينه نفسه فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق مع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين(50).
إن تأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية وهو أصل الإصابة بالعين فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة وتقابل المحسود فتؤثر فيه بتلك الخاصية، والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة بل التأثير يكون تارة بالاتصال وتارة بالمقابلة وتارة بالرؤية وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه وتارة بالأدعية والرقى والتعوذات وتارة بالوهم والتخيل، ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية بل قد يكون أعمى فيوصف له الشيء فتؤثر نفسه فيه وإن لم يره وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية.
وقد قال تعالى لنبيه: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: 51] وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 1-5] فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائناً فلما كان الحاسد أعم من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن(51).
وقد قال غير واحد من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: 51] إنه الإصابة بالعين فأرادوا أن يصيبوا بها رسول الله فنظر إليه قوم من العائنين وقالوا ما رأينا مثله ولا مثل حجته، فالكفار كانوا ينظرون إليه نظر حاسد شديد العدواة فهو نظر يكاد يزلقه لولا حفظ الله وعصمته فهذا أشد من نظر العائن بل هو جنس من نظر العائن.
والمقصود أن العائن حاسد خاص وهو أضر من الحاسد، ولهذا والله أعلم إنما جاء في السورة ذكر الحاسد دون العائن لأنه أعم فكل عائن حاسد ولا بد وليس كل حاسد عائناً فإذا استعاذ من شر الحسد دخل فيه العين وهذا من شمول القرآن الكريم وإعجازه وبلاغته.
والشيطان يقارن الساحر والحاسد ويحادثهما ويصاحبها ولكن الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان لأن الحاسد شبيه بإبليس وهو في الحقيقة من أتباعه لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس وزوال نعم الله عنهم كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله وأبى أن يسجد له حسداً فالحاسد من جند إبليس، والمقصود أن الساحر والحاسد كل منهما قصده الشر لكن الحاسد بطبعه ونفسه وبغضه للمحسود والشيطان يقترن به ويعينه ويزين له حسده ويأمره بموجبه والساحر بعلمه وكسبه وشركه واستعانته بالشياطين(52).
ومما تقدم يمكن إجمال فروق ظاهرة بين العين وبين الحسد وهي من وجوه:
1- الحسد:
أ‌- هو شعور نفسي يتمنى فيه الحاسد زوال النعمة من المحسود كراهية فيه.
ب‌- الحسد شعور داخلي يمكن أن يوجد في جميع الأشخاص تبعاً للمواقف المختلفة.
ج- الحسد شعور أخلاقي يمكن مقاومته بالإرادة وحسن الخلق.
د‌- الحسد يتم بمجرد حدوث علم الحاسد بنعمة المحسود سواء بالرؤية أو السماع أو الحساب أو التفكر أو القراءة أو غيرها.
ه‌- الحسد لا يؤثر على المحسود بل هو يؤثر بالسوء على الحاسد إلا إذا ترتب على الحسد سعي الحاسد في إضرار المحسود منطلقاً من الكراهية المتولدة عن الحسد فيقع هنا الضرر من سعي الحاسد بالأسباب، كأن يحرق له بيته أو ينم عنه أو يشيع الإشاعات أو غير ذلك.
و‌- لا يتفاوت مقدار الحسد من شخص إلى شخص ولكن يتفاوت بمقدار علاقة الحاسد بالمحسود.
2- العين (النظرة):
أ‌- النظرة لا تتم إلا برؤية الناظر للشيء أو الشخص المنظور.
ب‌- النظرة تؤثر على المنظور تأثيراً سيئاً وتسبب له أضراراً.
ج‌- هي شعور نفسي يتمنى فيها الناظر زوال النعمة من المنظور لاستكثارها عليه.
د‌- النظرة حالة توجد عند البعض ولا توجد عند الآخرين وعدد الذين توجد عندهم قلة.
ه‌- النظرة حالة شبه حيوية يصعب مقاومتها بالإرادة ولكن لها أسلوب آخر في طريقة التقليل من أثرها.
و‌- تتفاوت قدرة الأشخاص في إحداث النظرة، والشديد منهم شديد مع جميع المنظورين، والضعيف ضعيف مع الكل.
قد نلاحظ في أحيان كثيرة أن العين التي تصيب إنما تصدر عن حاسد يتمنى زوال نعمة المحسود، وإن كان ذلك التوافق ليس مطلقاً، فقد يتحقق في بعض الأحيان وقد لا يتحقق في أحيان أخرى، فالكثير منا يعرف أن الإنسان قد يصيب بالعين ماله وولده وأعز الناس عنده، بل قد يصيب بها نفسه، فبمجرد انفعال العائن بالنعمة لدى غيره واستكثارها نفذ أثرها في نفسه وكان من ذوي القدرة على العين عان ولو كانت النعمة ملكه لكن الحسد لا يكون مطلقاً إلا لنعمة في يد الغير مصحوب بالحقد والكراهية لهذا الغير، ونخلص من ذلك إلى أن الحسد شر لأنه خلق سيء، لكن شره يتمثل في تحريك نوازع الحقد عند الحاسد الذي قد يتحول إلى عدو للمحسود يسعى في أذيته لكن الحسد ذاته لا ضرر منه ينتقل إلى المحسود فيصيبه كما تصيب العين؛ لكن للعين قوة مؤثرة تنبع من العائن وتصيب المعين فتسبب له أضراراً متفاوتة(53).
التمني والحسد:
إن التمني يحبب للمتمني الشيء الذي تمناه فإذا أحبه أتبعه نفسه فرام تحصيله وافتتن به فربما بعثه ذلك الافتنان إلى تدبير الحيل لتحصيله إن لم يكن بيده وإلى الاستئثار به عن صاحب الحق فيغمض عينه عن ملاحظة الواجب من إعطاء الحق صاحبه وعن مناهي الشريعة التي تضمنتها، وقد كان التمني من أعظم وسائل الجرائم فإنه يفضي إلى الحسد وقد كان أول جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد، والتمني هو طلب حصول ما يعسر حصوله للطالب، أو هو طلب ما لا قبل لأحد بتحصيله بكسبه لأن ذلك هو الذي يبعث على سلوك مسالك العداء فأما طلب ما يمكنه تحصيله من غير ضر بالغير فلا نهي عنه لأنه بطلبه ينصرف إلى تحصيله فيحصل فائدة دينية أو دنيوية، أما طلب ما لا قبل له بتحصيله فإن رجع إلى الفوائد الأخروية فلا ضير في ذلك.
وحكمة النهي عن التمني المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 32] أنها تفسد ما بين الناس معاملاتهم فينشأ عنها الحسد، ثم ينشأ عن الحسد الغيظ والغضب فيفضي إلى أذى المحسود، ثم إن تمني الأحوال المنهي عنها ينشأ في النفوس أول ما ينشأ خاطراً مجرداً ثم يربوا في النفس رويداً رويداً حتى يصير ملكة فتدعوا المرء إلى احترام الجرائم ليشفي غلته، فلذلك نهوا عنه ليزجوا نفوسهم عند حدوث هذه التمنيات بزاجر الدين والحكمة فلا يدعوها تربوا في النفوس(54).
تبعات الحسد على الحاسد والمجتمع:
إن ما ينبني على الحسد شيء كثير؛ ولكنه في الشر طبعاً، ولو كان في الخير لكان شيء حسن، إلا أن الحاسد فيه من الشر ما يطغى على جانب الخير الفطري الذي هيأه الله في كل مخلوق، فالحاسد يرعى جانب الشر الذي عنده، ويتجنب كل حسن وطيب، ولا يسعى لتغيير ما فيه نحو الخير بل بالعكس تماماً، ولهذا كان الحاسد أشد الناس خطراً على نفسه وعلى المجتمع من حوله.
ولعل من المناسب أن نذكر هنا بعض ما يلحق الحاسد في دينه ودنياه، ومن حوله ممن يعيش معهم من الأضرار، وذلك قبل أن نتطرق إلى الجانب العلمي للحسد، فالحسد يحلق الدين كما يحلق الشعر فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم»(55).
كما أنه ينفي الإيمان الكامل أو الإيمان المطلق، فلا يمكن أن يجتمع إيمان بالله وبأسمائه وصفاته وحكمته وقدرته ومشيئته، والإيمان بالقدر، وأنه من عند الله مع حسد في القلب يعترض فيه صاحبه على قدر الله ومشيئته فيما كتبه لغيره من الخير، وقد جاء في الحديث، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع في جوف عبد غبار في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد»(56).
بالإضافة إلى هذا فإن المجتمع الذي يسود فيه الحسد مجتمع متفكك، لا يحب بعضه بعضاً، ولا يرحم بعضه بعضاً، بل قل ما شئت في مجتمع يريد كل فرد فيه أو أغلبهم الخير لنفسه وزواله عن غيره، فهنا لا شك أن لعنة الله نازلة وعقابه حاصل لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا»(57).
كيف لا وقد عم الخبث وفشي بين الناس، وقد جاء في الحديث الصحيح أن الخبث إذا كثر وقع الشر وعم الفساد، فعن زينب بنت جحش رضي الله عنهن: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها قالت زينب بنت جحش فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث»(58).
فالحاسد مغتاظٌ على من لا ذنب له بخيلٌ بما لا يملكه طالبٌ مالا يجده، وقال ابن المعتز: الحسد داء الجسد، وقال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما أطول عمرك؟ قال: تركت الحسد فبقيت، وقال بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنه يغتمّ في وقت سرورك. وقيل في منثور الحكم: عقوبة الحاسد من نفسه، وقال بعض الأدباء: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحسود نفس دائم وهمّ لازم وقلب هائم، فالحاسد لا ينال في المجالس إلا مذمة، وذلاً ولا ينال من الملائكة إلا لعنةً وغضباً، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً وهمّاً، ولا ينال عند النزع إلا شدةً وهولاً، ولا ينال في الموقف إلا فضيحةً ونكالاً، ولا ينال في النار إلا حراً واحتراقاً(59).
علاج الحسد والعين عند المسلمين:
لما كان أمر الحسد والعين أمر معنوي محض لا مدخل للماديات فيهما؛ كان علاجهما من جنسهما؛ علاجاً معنوياً محضاً، ولن استطرد هنا في الأذكار والأدعية النبوية المأثورة الصحيحة لعلاج الحسد والعين، لأن هذا مكانه الطب النبوي، وكتب العلاج بالقرآن، وهذا بحث يتناول جانب الإعجاز العلمي، سوى أنني سآخذ طرفاً منها استأناساً بها.
فلا آكد من المعوذات في هذا الباب فقد نُدِبْنا إليها دبر كل صلاة بل عند الصباح والمساء وغير ذلك فقال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]، بل أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم بهما، فقد أمر أن يستعيذ من شر كل حاسد إذا حسد فعابه أو سحره أو بغاه سوءاً، لأن الله عز وجل لم يخصص من قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ حاسداً دون حاسد بل عم أمره إياه بالاستعاذة من شر كل حاسد فذلك على عمومه(60).
وتقييد الاستعاذة من شره بوقت (إذا حسد) لأنه حينئذ يندفع إلى عمل الشر بالمحسود حين يجيش الحسد في نفسه فتتحرك له الحيل والنوايا لإلحاق الضر به، والمراد من الحسد في قوله (إذا حسد) حسد خاص وهو البالغ أشد حقيقته فلا إشكال في تقييد الحسد بـ (حسد) (61).
والاستعاذة به من شر حاسد النعمة فهو مستعيذ بولي النعم وموليها كأنه يقول يا من أولاني نعمته وأسداها إلي أنا عائذ بك من شر من يريد أن يستلبها مني ويزيلها عني وهو حسب من توكل عليه وكافي من لجأ إليه وهو الذي يؤمن خوف الخائف ويجبر المستجير وهو نعم المولى ونعم النصير، فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه تولاه وحفظه وحرسه وصانه، ومن خافه واتقاه آمنه مما يخاف ويحذر، وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق: 2-3]:
فلا تستبطئ نصره ورزقه وعافيته فإن الله تعالى بالغ أمره وقد جعل الله لكل شيء قدراً لا يتقدم عنه ولا يتأخر ومن لم يخفه أخافه من كل شيء وما خاف أحداً غير الله إلا لنقص خوفه من الله، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 98-100] وقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175] أي يخوفكم بأوليائه ويعظمهم في صدوركم فلا تخافوهم وأفردوني بالمخافة أكفكم إياهم(62).
غير أني لم أجد بداً من أن أذكر كلام الإمام الجليل ابن القيم بهذا الصدد وهو يتناول الموضوع ووسائله المعينة على الخلاص من هذا الداء، فهو كلام عظيم الفائدة، خاصة لمن آمن بالحسد والعين، حيث يقول:
"ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:
أحدها: التعوذ بالله تعالى من شره واللجوء والتحصن به واللجوء إليه، والله تعالى سميع لاستعاذته عليم بما يستعيذ منه، والسمع هنا المراد به سمع الإجابة لا السمع العام فهو مثل قوله: سمع الله لمن حمده، لذلك فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن الله تعالى يراه ويعلم كيده وشره فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته أي مجيب عليم بكيد عدوه يراه ويبصره لينبسط أمل المستعيذ ويقبل بقلبه على الدعاء.
السبب الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه فمن اتقى الله تولى الله حفظه ولم يكله إلى غيره قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك»(63) فمن حفظ الله حفظه الله ووجده أمامه أينما توجه ومن كان الله حافظه وأمامه فممن يخاف ولمن يحذر؟.
السبب الثالث: الصبر على عدوه وأن لا يقاتله ولا يشكوه ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً، فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله، ولا يستطل تأخيره وبغيه؛ فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جنداً وقوة للمبغي عليه (المحسود) يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر، فبغيه سهام يرميها من نفسه ولو رأى المبغي عليه ذلك لسره بغيه عليه ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي دون آخره ومآله، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: 60].
فإذا كان الله قد ضمن له النصر مع أنه قد استوفى حقه أولاً فكيف بمن لم يستوف شيئاً من حقه بل بغي عليه وهو صابر.
السبب الرابع: التوكل على الله ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك؛ فإن الله حسبه أي كافية، فجعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه فلو توكل العبد على الله تعالى حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجاً من ذلك وكفاه ونصره ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبداً، وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه وبين الضرر الذي يتشفى به منه.
السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له فلا يلتفت إليه ولا يخافه ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره، فإذا جبذ روحه عنه وصانها عن الفكر فيه والتعلق به وأن لا يخطره بباله فإذا خطر بباله بادر إلى محو ذلك الخاطر والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضاً فإن الحسد كالنار فإذا لم تجد ما تأكله أكل بعضها بعضاً، ولا يصدق بهذا إلا النفوس المطمئنة الوارعة اللينة التي رضيت بوكالة الله لها، وعلمت أن نصره لها خير من انتصارها هي لنفسها، فوثقت بالله، وسكنت إليه، واطمأنت به، وعلمت أن ضمانه حق، ووعده صدق، وأنه لا أوفى بعهده من الله، ولا أصدق منه قيلاً، فعلمت أن نصره لها أقوى وأثبت وأدوم وأعظم فائدة من نصرها هي لنفسها أو نصر مخلوق مثلها لها.
السبب السادس: وهو الإقبال على الله والإخلاص له وجعل محبته وترضيه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها تدب فيها دبيب الخواطر شيئاً فشيئاً حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب والتقرب إليه وتملقه وترضيه واستعطافه وذكره كما يذكر المحب التام المحبة لمحبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه فلا يجعل بيت إنكاره وقلبه معموراً بالفكر في حاسده والباغي عليه والطريق إلى الانتقام منه، والتدبير عليه هذا ما لا يتسع له إلا قلب خراب لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله وطلب مرضاته، فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن وصار داخله، فلقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصن به ولا ضيعة على من آوى إليه ولا مطمع للعدو في الدنو إليه منه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه فإن الله تعالى يقول:﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30] فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره، وفي الدعاء المشهور: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لم لا أعلم»(64)، فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب، ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له ونال منه فقال له قف حتى أدخل البيت ثم أخرج إليك فدخل فسجد لله وتضرع إليه وتاب وأناب إلى ربه ثم خرج إليه فقال له ما صنعت فقال تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي.
فليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها فإذا عوفي من الذنوب عوفي من موجباتها فليس للعبد إذا بغي عليه وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنفع له من التوبة النصوح وعلامة سعادته أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه فيشغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به بل يتولى هو التوبة وإصلاح عيوبه والله يتولى نصرته وحفظه والدفع عنه ولا بد فما أسعده من عبد وما أبركها من نازلة نزلت به وما أحسن أثرها عليه ولكن التوفيق والرشد بيد الله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع فما كل أحد يوفق لهذا لا معرفة به ولا إرادة له ولا قدرة عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه فإن لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديماً وحديثاً لكفى به فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملاً فيه باللطف والمعونة والتأييد وكانت له فيه العاقبة الحميدة، فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته عليه من الله جنة واقية وحصن حصين وبالجملة فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببا لزوالها.
ومن أقوى الأسباب حسد الحاسد والعائن فإنه لا يفتر ولا يني ولا يبرد قلبه حتى تزول النعمة عن المحسود فحينئذ يبرد أنينه وتنطفئ ناره لا أطفأها الله فما حرس العبد نعمة الله تعالى عليه بمثل شكرها ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله وهو كفران النعمة وهو باب إلى كفران المنعم فالمحسن المتصدق يستخدم جنداً وعسكراً يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه فمن لم يكن له جند ولا عسكر وله عدو فإنه يوشك أن يظفر به عدوه وإن تأخرت مدة الظفر والله المستعان.
السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه فكلما ازداد أذىً وشراً وبغياً وحسداً ازددت إليه إحساناً وله نصيحةً وعليه شفقةً، وما أظنك تصدق بأن هذا يكون فضلاً عن أن تتعاطاه فاسمع الآن قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 34-36]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: 54].
واعلم أن لك ذنوباً بينك وبين الله تخاف عواقبها وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله، فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابل به إساءتك فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه وتقابل به إساءتهم ليعاملك الله هذه المعاملة فإن الجزاء من جنس العمل فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاءاً وفاقاً فانتقم بعد ذلك أو اعف وأحسن أو اترك فكما تدين تدان وكما تفعل مع عباده يفعل معك.
هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه ويصيرون كلهم معه على خصمه فإنه كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير وهو مسيء إليه وجد قلبه ودعاءه وهمته مع المحسن على المسيء وذلك أمر فطري فطر الله عباده فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكراً لا يعرفهم ولا يعرفونه ولا يريدون منه إقطاعاً ولا خبراً هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده وينقاد له ويذل له ويبقى من أحب الناس إليه وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره إن أقام على إساءته إليه فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة والله هو الموفق المعين بيده الخير كله لا إله غيره وهو المسئول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك بمنه وكرمه.
السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله وعليه مدار هذه الأسباب وهو تجريد التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه آلات بمنزلة حركات الرياح وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه فهو الذي يحسن عبده بها وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه، قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ [الأنعام: 17].
وقال النبي لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك»(65) فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله تعالى بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه وتجرد الله محبة وخشية وإنابة وتوكلاً واشتغالاً به عن غيره فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده.
وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل والله يتولى حفظه والدفع عنه فإن الله يدافع عن الذين آمنوا فإن كان مؤمناً فالله يدافع عنه ولا بد وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع وإن مزج مزج له وإن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة.
كما قال بعض السلف: "من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة"
فهذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر وليس له أنفع من التوجه إلى الله وإقباله عليه وتوكله عليه وثقته به وأن لا يخاف معه غيره بل يكون خوفه منه وحده ولا يرجوا سواه بل يرجوه وحده فلا يعلق قلبه بغيره ولا يستغيث بسواه ولا يرجو إلا إياه ومتى علق قلبه بغيره ورجاه وخافه وكل إليه وخذل من جهته فمن خاف شيئاً غير الله سلط عليه ومن رجا شيئاً سوى الله خذل من جهته وحرم خيره هذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا"(66).
الكشف العلمي الحديث:
تبين لنا حقيقة الحسد والعين في نظر الإسلام، واطلعنا على أهم جوانبهما، من حيث ورود النصوص الصحيحة فيهما، وما يترتب عليهما من أسباب ومضار وتبعات، وكذلك تطرقنا إلى أنواع العلاج لكل منهما، وإن كان بشيء من الإيجاز.
ولقد بقي أن نتعرض للموضوع من جانبه العلمي أو من منظور معاصر، آخذين بنظر الاعتبار حقيقتهما العلمية، وما توصل إليه علماء اليوم في شأنهما من مستجدات وحقائق قد تثري الموضوع، وتضيف لهما دعامة أخرى من دعائم التأييد والتأكيد.
يقول يوري خولودوف (وهو أخصائي وظائف الجهاز الفسيولوجي العصبي): تحيط بجسم الإنسان أنواع شتى من الإشعاع الكهرومغناطيسي إلا أن الأثر الذي قد تتركه تلك الموجات النابضة على كيان الحيوانات ليس مفهوماً فهماً كافياً، وإلى جانب هذه التأثيرات الخارجية نجد أن الجسم يولّد مجالاته الكهرومغناطيسية الداخلية الخاصة به، ولا يصل علمنا إلا إلى القليل عن كيفية تفاعل هذه المجالات.
وقد بدأ العلماء يعيدون حساباتهم للتفهم الصحيح للعمليات الحيوية التي لم تكن الكيمياء وحدها كافية لتفسيرها، مثل انتقال النبضات العصبية بسرعة وتباين أشد بكثير من مجرد الانتقال من خلال الموصلات ومثل انقباض العضلات وانقسام الخلية، وأخيراً عملية التفكير، لأنه وعند انقسام الخلية الحيوانية أمكن رصد انبعاث فوتونات من الضوء غير المرئي ومن الأشعة فوق البنفسجية، وكذلك أمكن رصد موجات فوق صوتية ترددها ما بين مليون و10 مليون ذبذبة في الثانية، وكذلك أمكن رصد موجات فوق صوتية تصدر وعندها تتغير الجزيئات البروتينية الكبيرة من شكلها بالضغط أو المط، كما لو كنت تطبق علبة من الصفيح(67).
كما ثبت أن وجود الإنسان في ظل الجاذبية الأرضية يجعل له تفكيره المتزن مع هذه الجاذبية، وعندما وضعوا رواد الفضاء في ظروف انعدام الجاذبية أمكن إحداث انتظام في أجهزتهم الحيوية، ولكن حدث خلل ملحوظ في طريقة ونشاط تفكيرهم.
هذا وقد أمكن الوصول إلى فك شفرة لتتابع الطاقة الصادرة من المخ لأجزاء من الجهاز العصبي تحركه بناء على معلومة لدى الشخص المختبر، يتحرك على أساسها، ثم تم قطع هذا الجزء تماماً وفصله عن منطقة أخذ المعلومات من المخ، وعرض هذا الجزء من الجهاز العصبي لنفس الشفرة من الطاقة التي تم التوصل إليها (والتي أمكن إحداثها بطريقة غير حيوية) فأعطت نفس الاستجابة وكأنها صادرة عن نفس المخ من ذات مركز المعلومات.
وأثبت أرثركوسلر أنه يمكن نقل المعلومات والصور عن طريق الجلد لو أمكن تحويلها إلى شفرة طاقة تنتقل في أطراف الأعصاب وتصل إلى المخ، حتى قال بيتركابتسا: "إنني أقسِّم الظواهر إلى ممكنة ومستحيلة، بل إلى مكتشفة وغير مكتشفة، ويجب ألا نقع في خطأ الاعتقاد القديم بأنه لن تكون هناك مكتشفات جديدة مستقبلاً".
وكانت هذه الظواهر -وغيرها الكثير- إرهاصة دعت بعض مراكز البحوث في العالم إلى تبني هذا الموضوع وتكثيف البحث حوله، وكان من رواد هذا المجال الدكتور هيروشي موتوياما (وهو عالم ياباني حصل على (ph.d.) في علم وظائف الأعضاء وعلى (ph.d.) في علم النفس وهو مدير معهد علم النفس الديني بطوكيو)، الذي أجرى العديد من التجارب العلمية حول هذا الموضوع نشرت خلال السبعينات من هذا القرن نلخصها فيما يلي: ميز هيروشي موتوياما بين الشخص العادي وشخص غير عادي سماه (Psi-ability) شخص له قدرة طاقية نفسية داخلية،فوجد أن الشخص ذي القدرة النفسية الداخلية يمكنه التحكم في بعض وظائف لا إرادية للجهاز العصبي، مثل سرعة ضربات القلب وسرعة التنفس، وبعضهم استطاع أن يوقف ضربات قلبه خمس ثوان، ولاحظ أن هؤلاء الأشخاص النفسيون هم من ذوي الطبائع التأملية والرياضات العقلية النفسية وأنهم منطوون على أنفسهم، وأنهم قليلو الاختلاط بالناس، قليلو الحركة الحياتية، منهمكون في التأمل العقلي النفسي وليس التأمل العقلي الرياضي أو العلمي أو الفني.
وتمكَّن هذا العالم من رصد وتسجيل بعض مؤشرات عن وظائف أعضاء هؤلاء الأشخاص، مقارنة بالأشخاص العاديين حيث ظهر اختلاف في معدل تدفق البلازما وسرعة التنفس والمقاومة الجهدية الكهربية للجلد بين الشخص العادي والشخص ذي القدرة النفسية الداخلية، وتمكّن من ملاحظة ما يمكن أن ينتاب الشخص العادي من تأثير التركيز العقلي من الشخص ذي القدرة النفسية الداخلية عليه؛ فوجد أن التركيز العقلي من الشخص ذي القدرة النفسية الداخلية على شخص عادي يسبب له خللاً في المقاييس الثلاثة التي قاسها، وهي معدل تدفق البلازما وسرعة التنفس والمقاومة الجهدية الكهربية للجلد.
وقد استطاع أن يصمم أجهزة دقيقة لقياس الطاقة فأثبت أن هناك انبعاث للطاقة من جسد الشخص ذي القدرة النفسية الداخلية، وهي التي تسبب التأثير على الشخص العادي وأنها تنبعث من بؤر سماها (شاكرا-CHAKRA) توجد على امتداد الحبل الشوكي مع المحور الطولي للإنسان، وإن أشدها نشاطاً هي البؤرة الموجودة بين العينين والتي تقابل تماماً الغدة النخامية فيه.
ولخص هيروشي موتوياما معلوماته على النحو التالي:
1- الأشخاص العاديون غير قادرين على بعث هذه الطاقة.
2- الأشخاص المميزون يمكنهم إيقاظ الانبعاث عن طريق التركيز أو أثناء ما تنتابهم من حالات نفسية غير مستقرة.
3- أقوى النقاط المؤثرة في (الشاكرا) هي البؤرة التي على الجبهة بين العينين.
4- التأثير على الأشخاص يظهر واضحاً.
ولا يبقى إلا أن نضع المسميات المناسبة على مسميات هيروشي موتوياما، إن هناك أفراداً قلائل يتميزون بوجود بؤر نشطة لانبعاث الطاقة فإذا صحب ذلك أن كان هؤلاء الأشخاص منطويين على أنفسهم كثيري التأمل فيما عند غيرهم من النعم، كثيري التألم النفسي على عدم وجود مثل هذه النعم لديهم، نشطت عندهم هذه البؤر، وخاصة بؤرة ما بين العينين وأصبح الشخص من هؤلاء شخصاً نفسياً على حد تعبير هيروشي أو شخصاً عائناً على حد تعبير الحديث النبوي الشريف؛ فإذا ما تحركت نفس هذا الشخص العائن تجاه شخص ذو نعمة واستكثرها عليه صدرت انبعاثات من الطاقة ذات شفرة خاصة من البؤرة بين العينين وأثرت على الشخص المعين فأفسدت الطاقة في جهازه العصبي أو غيره فيصاحب ذلك خلل يؤدي إلى مرض أو ألم أو فساد أو ضعف أو غير ذلك، وهذا هو مفهوم العين تماماً كما صورها الحديث النبوي الشريف(68).
بالإضافة إلى ما تقدم تقول الكاتبة والباحثة الإنجليزية والصحفية لين ماكتاجارات في كتابها البحث عن سر قوة الكون (The Field: The Quest for the Secret Force of the Universe by Lynne McTaggart): لقد كانت هناك دراسات مذهلة تمت في منتصف القرن الماضي في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وروسيا، في موضوع الطاقة الكونية، إن هذه الدراسات قفزت قفزات خطيرة في عام 1973م حيث قامت الإدارة الأمريكية آنذاك بجمع كبار علماء الطاقة والفيزياء ودعمت جهودهم في إيجاد حل استراتيجي لوقود الآلات والمركبات كبديل عن البترول أو النفط، إلا أن العلماء وفي أثناء تلك البحوث المركزة أصابهم الذهول مما اكتشفوه من معلومات في غاية الغرابة عن طاقة الكون، وبسبب هذه الاكتشافات عادت مؤسسات الإدارة الأمريكية وعلى رأسها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ومؤسسة الفضاء (NASA) في بحث تفاصيل الموضوع الأمر الذي أكدت الكثير منه.
إن هذه الاكتشافات تتحدث عن أن الكون مزود بطاقة ومتصل ببعضه البعض، ويؤثر كل جزء فيه بالآخر، ويبنى على ما توصلت إليه دراسات الـ (Quantum Physics) التي خرجت بعد نيوتن، ونظريات ألبرت آينشتاين في الطاقة والزمان، إن إحدى هذه الدراسات، على سبيل المثال، درست الذرة، وما داخلها (نواة وإلكترون). ويسمى هذا العلم الفيزياء الذرية، ثم درسوا النواة في الداخل والإلكترون، ويسمى هذا العلم الفيزياء النووية، ثم درسوا جزيئات النواة ويسمى هذا العلم فيزياء الأشياء أو الجزيئات (Particle Physics).
ومعلوم أن الإلكترون يلف حول النواة بعكس مدار الساعة ولما نظروا في دوران وحركة الجزيئات الصغيرة في النواة توصلوا إلى حقيقة مذهلة حيث أنها تتحرك يميناً أو شمالاً أو بدوران بحسب فكرة الباحث؛ ولذلك توصلوا إلى أن الفكرة تؤثر في حركة الجزيئيات الداخلية في النواة، وبالتالي فإن الفكرة بقوتها قد تؤثر في النواة، وإذا كانت أقوى أثرت بالذرة، وإذا كانت أقوى أثرت بالبيئة المليئة بالذرات، كما يحصل للنفس الحاسدة (العين) أو التخاطر أو الكشف أو السحر أو الإلهام أو غيرها من أمور، ولذا تدخلت فيها الاستخبارات ووكالات الفضاء حتى اشتهر من عملاء الـCIA جريل فلايم (الاسم الحركي).
وكان بتعلم هذه الطرق يكشف مواقع الروس النووية عن بعد!.. ثم أن الدراسات كشفت أن القدرات هذه ليست حكراً على أحد أو خاصية يتمتع بها أناس متميزون عن غيرهم، بل هي موجودة في معظم البشر، وأقل البشر، شريطة أن يدرك قدراته ويعرف الطرق لاستخدامها، ولعل أعجب القدرات على اختراق المادة بالنفس امتلكها الشاب (ماثيومانينغ) (MatthewManning) فقد كان باستطاعته طوي الملاعق والسكاكين وتغيير شكلها بمجرد النظر، وكان ينظر إلى عقارب الساعة فيوقفها عن الحركة، ويستطيع إيقاف التيار الكهربائي، وثبتت لديه القدرة على التأثير في سريان الدم في الأوعية والشرايين وكذلك التأثير على مرض السرطان.
ويعرف عن نابليون بونابرت أنه كان ذو نظرة (حسد ثاقبة) فقد عرف عنه أنه إذا ثبّت نظره على خصمه سبب له متاعب كبيرة، وإذا نظر بنظرته الحاسدة إلى شيء ما حطم ذلك الشيء، أما أكثر هذه الحالات غرابة، وأكثرها مصداقية، وذات توثيق علمي، هي التجربة التي أجريت على (نيليا ميخايلوفا) التي كان باستطاعتها وبمجرد النظر من على بعد ستة أقدام أن تفصل بياض البيضة عن صفارها مستخدمة في ذلك مقدرتها الخاصة جداً في تحريك الأجسام المادية عن بعد، ودون أن تقربها، وقد أجريت هذه التجربة وسط حشد من العلماء بجامعة ليننجراد، وباستخدام آلات التصوير لتسجيل الحدث لحظة بلحظة وباستعمال العديد من الأجهزة التي تقيس الضغط والنبض وأنواع الإشعاعات التي تسود المخ أثناء التجربة(69).
أما الماء وكما هو معروف يتكون من ذرة من الأكسجين وذرتين من الهيدروجين، ويتكون جزيء الماء على شكل يشبه القضيب المغناطيسي يكون له قطب سالب وقطب موجب، ويدور جزيء الماء حول نفسه بسرعة كبيرة كما أنه يدور حول الجزيئات الأخرى على مسافات ثابتة عند درجات الحرارة الواحدة، وينشأ عن ذلك أنه في أي لحظة نرى مثلاً كوباً من الماء مليء بجزيئات الماء في مواضع مختلفة من حيث اتجاه الأقطاب السالبة والموجبة، وهذه الحالة تجعل للماء مقاومة ما للدخول إلى الخلايا والانسياب مع السيتوبلازم.
وقد أمكن في العصر الحديث إثبات أنه لو عولج الماء بطاقة تُبعث من مجال مغناطيسي مثلاً لأمكن انتظام جزئياته في اتجاه واحد بالنسبة للقطبين السالب والموجب وفي هذه الحالة أبدى الماء ظواهر غاية في الغرابة بالمقارنة به قبل التعديل، فقد أمكن استخدام هذه المياه في علاج العديد من الأمراض في الإنسان والحيوانات، كما أدت إلى زيادة نمو الدجاج وزيادة إنتاجه من البيض وأدت إلى تقصير مدة إنبات عدد كبير من بذور الخضروات والفاكهة والمحاصيل، كما زاد معدل النمو في النباتات وكذلك المجموع الخضري لها.
وأيّاً كانت التفسيرات التي سيقت في هذا المجال فإن وجود الطاقة لإعادة تنظيم جزيئات الماء في وضع معين يجعل هذا الماء ذو قوة انسيابية خاصة للمرور في بروتوبلازم الخلايا الحية، مما يحسن من طاقة الحياة بها ويصلح سلوكها الحيوي، وما هذا إلا تصور مبدئي يحتاج إلى دراسة التفاصيل(70).
وجه الإعجاز:
وجه الإعجاز في هذا الموضوع الشيق -والذي أخذ منا وكما لاحظت من الوقت الكثير من دون أن نشعر بذلك- فهو ما جاء من النصوص الصحيحة الصريحة في أمر الحسد والعين مقروناً بالكشوف العلمية الحديثة، التي أكدت بصورة قطعية ما تخفيه الأيام من أسرار وخفايا أثبتها النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، واليوم يأتي أرباب الاختصاص ليسجلوا لنا بعض تلك الحقائق الربانية المعجزة.
فقد جاء التوجيه النبوي الشريف ليدلنا على الحسد ويحذرنا منه إذا استشرى في النفس وصار داعياً صاحبه للشر، وكذلك الأمر بالنسبة للعين وما تحدثه في المعين، حيث كان التوجيه النبوي باستخدام الماء فوجد تفسيره العلمي الرائع حيث وعند إمراره على البؤر النشطة في الشخص العائن، بعد أن يعرف بما أحدثه في المعين، وبعد أن ينصح ويذكر بما سببه له فتعود الطاقة المنبعثة منه إلى وضع مفيد تؤثر على الماء الملامس له عند الغسل أو الوضوء، وخاصة غسل الوجه لإمرار الماء على بؤرة بين العينين، وعندما يستخدم هذا فيصب على جسد المعين ربما نقل هذه الطاقة إلى البروتوبلازم فأصلح ما كان قد فسد.
والذي نخرج به في النهاية هو أن العلم قد أثبت أن للحسد تأثير بعد أن يرى الحاسد ما يحزنه في حال المحسود، بخلاف العين فإنها تؤثر في المعين وإن لم يره العائن ولكن بوجود قدرات خفية وطاقة غير مرئية تبعثها البؤرة بين العينين، وأن الماء الذي يغتسل أو يتوضأ به العائن يفيد في إصلاح المعين وشفاء وعكته بإذن الله، وإن تركت التفاصيل والتفسيرات لبحوث علمية أخرى قد يأتي بها المستقبل القريب(71).
فيكون هذا الموضوع إعجازا ًربانياً وبرهاناً سماوياً على أن هذا الدين حق من عند الله الخالق أنزله على عبد أمي اختاره من البشر ليكون مبلغاً إلى الثقلين، وقد حوى هذا القرآن على أسرار، وجاء بأخبار لا يمكن لذلك الرسول الأمي صلى الله عليه و سلم 
أن يتخيلها في عصره ولا بعد عصره حتى سخر الله لتلك العلوم رجالاً قد يكونوا من غير معتنقي هذا الدين ليؤكدوا لنا ويثبتوا بالحجة القاطة والدليل المحسوس صدق الوحي، وتميزه عن كلام البشر، فسبحان من أوحى فألهم وأخبر فلم يخلف وعده، وصدق الله حيث يقول في كتابه المبين: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].


                                             نتيجة بحث الصور عن العين و الحسد في الاسلام        

مشاركة مميزة

الزبيب و فوائده

يتكرر ذكر "حفنة من الزبيب" في التراث والطب الشعبي، ولكن حديثاً بدأت الدراسات التغذوية الإكلينيكية تتحدث أيضاً عن حفنة الزبيب، فما ...